الشيخ محمد رشيد رضا

237

الوحي المحمدي

بأنفسهن في دائرة الشرع ، قال اللّه تعالى : لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً [ النساء : 7 ] . ونحن نرى أن دولة الولايات المتحدة الأمريكية لم تمنح النساء حق التملك والتصرف إلا من عهد قريب في عصرنا هذا « 1 » ، وأنّ المرأة الفرنسية لا تزال مقيدة بإرادة زوجها في التصرفات المالية والعقود القضائية ، وقد منحت المرأة المسلمة هذه الحقوق منذ ثلاثة عشر قرنا ونصف قرن . 6 - كان الزواج في قبائل البدو وشعوب الحضارة ضربا من استرقاق الرجال للنساء فجعله الإسلام عقدا دينيا مدنيا لقضاء حقّ الفطرة بسكون النفس من اضطرابها الجنسي بالحب بين الزوجين وتوسيع دائرة المودة والألفة بين العشيرتين ، واكتمال عاطفة الرحمة الإنسانية وانتشارها من الوالدين إلى الأولاد ، على ما أرشد إليه قوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [ الروم : 21 ] . 7 - القرآن ساوى بين المرأة والرجل باقتسام الواجبات والحقوق بالمعروف مع جعل حق رئاسة الشركة الزوجية للرجل ؛ لأنه أقدر على النفقة والحماية بقول اللّه عزّ وجلّ في الزوجات : وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [ البقرة : 228 ] ، وقد بين هذه الدرجة بقوله تعالى : الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ [ النساء : 34 ] فجعل من واجبات هذه القيامة على الزوج نفقة الزوجة والأولاد ، لا تكلف الزوجة منه شيئا ولو كانت أغنى منه ، وزادها المهر ، فالمسلم يدفع لامرأته مهرا عاجلا مفروضا عليه بمقتضى العقد حتى إذا لم يذكر فيه لزمه مهر مثلها في الهيئة الاجتماعية ، ولهما أن يؤجلا بعضه بالتراضي ، على حين ترى بقية الأمم حتى اليوم تكلف المرأة دفع المهر للرجل . وكان أولياء المرأة يجبرونها على التزوج بمن تكره أو يعضلونها بالمنع منه مطلقا وإن كان زوجها وطلقها ، فحرم الإسلام ذلك ، والنصوص في هذا معروفة في كلام اللّه وكلام رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وسنته . 8 - كان الرجال من العرب وبني إسرائيل وغيرهم من الأمم يتخذون من الأزواج ما شاءوا غير مقيدين بعدد ، ولا مشترط عليهم فيه العدل ، فقيدهم الإسلام بأن لا يزيدوا على

--> ( 1 ) طبع هذا الكتاب أول مرة في أوائل القرن العشرين عام 1935 م .